الجمعة، ٢٤ أكتوبر ٢٠٠٨

لعودة المطر .....أعود


من وحي صلاة القديس فرنسيس


إلهي ..
اجعلني أداة لسلامها..
عندما تواجه منهم الكراهية.. لا تجد مني إلا الحب..
عندما تواجه منهم الجرح.. لا تجد مني إلا اعتذاراً ..
تجد فيّ كل الإيمان ..عندما يحاوطها الشك..
والأمل ..عندما يلفها الإحباط..
والنور ..في عز الظلمة ..
والفرحة ..في غمرة الكآبة ..

ربي العظيم القادر ..
اجعلني أداة لسلامها..
تتفهمني كما أتفهمها..
تحبني كما أحبها..
تسامحني كما أسامحها ..
نعطي كلُّ منّا الآخر بلا حساب للأخذ
فيتضاعف..

معبودي الواحد الأحد الغفور ..
اجعلنا سيمفونية وحيدة في الزمن النشاز..
حقيقة مؤكدة في دنيا والظن والاحتمال ..
ضوء ساطع في ظلام القلوب..
وظلام هاديء في ضوء المادية المُعمي..

رب انصر الحب بنا..
انصر العفو بنا..
انصر الإيمان بنا..
إنما إيماننا بما بيننا هو إيمان بصوتك داخلنا..
انصر بنا الأمل
فأملنا بك وفيك ومنك ولك ..
رب انصر بنا النور
فأنت النور ..
رب اجعل نيران الأيام برداً وسلاماً علي حبيبتي
كما جعلت نيران الحريق علي عبدك ونبيك وكليمك
إبراهيم عليه السلام..


آمين يارب العالمين ..

السبت، ١٨ أكتوبر ٢٠٠٨


بردان..


بردان أوي..


بردان أوي ..بجد


بردان أوي بجد ..لدرجة البكا..

الأحد، ٢١ سبتمبر ٢٠٠٨

والثواني جمرات في دمي



أملاً في أن تُهديء قطرات المياه المندفعة من فتحات "الدش" من التوتر والشد المتزايدان واللذان كادا يفتكا برأسي .. وقفت تحته ساكناً .. مغمض الأعين .. موجهاً رأسي للأعلى ..شردت بنات أفكاري في عدة اتجاهات فنسيت ذاتي معلقة تحت الماء لما فوق الساعة ولم أفق من شرودي إلا علي صوت ارتطام مؤلم لفكرة قاسية بجدار جمجمتي من الداخل فلملمت بنات أفكاري إلي قواعدهن .. خُرجت من تحت الماء ظاناً أني أفضل حالاً ... مجرد ظن ..


"هو صحيح الهوى غلاب ؟؟ .. معرفش أنا .. والهجر قالوا مرار وعذاب .. واليوم ..اليوم ..اليوم بسنة .." ..تشدو أم كلثوم وأتأثر تأثيراً مضاعفاً .. بل مضروباً في عشرة أضعاف ..فأشعر أن أطرافي ترتخي بل وتبدأ في الارتعاش .. ويستسلم جفنيّ السفليان لدمعتين تنفلتا علي الخدين لتغيبا في خضم أحراش شعرات الذقن المُهملة .. وأوقن أن هؤلاء من "قالوا" عن الهجر كانوا شديدي التفاؤل ..أنفلت من مدار المنزل وأنطلق بلا وجهة ..


أحاول احتضان الشارع الذي أوحشتني تفاصيله حيث لم أطأه منذ فترة ليست بالقصيرة .. فلا أجده مرحباً بي كما كنت أتوقع ..الشارع المبهج المزدحم كما عهدته أضحى مظلماً إلا قليلاً ..مقفر إلا قليلاً .. لا يقطع صمته المؤلم سوى نباحاً أو مواء ..أسير متأملاً .. محاولاً شغل عقلي بأي شيء غير ما يستبد به ويحتله من هواجس جارحة .. المحال القليلة المفتوحة-والتي تترواح الأسماء علي لافتاتها بين الوفاء والأمل –يشغلها باعة عابسون ..تمر سيارة كل فترة ببطء مميت .. يدخن سائقها بعصبية ويشتركون جميعاً في البصق من النافذة المجاورة لكرسي القيادة ..تسقط على رأسي نقاط قليلة-آخذه في التزايد- من المياه.. أُرجع سقوطها للمكيفات التي انتشرت ..ومع تكرارها أرفع رأسي لتأكيد السبب الذي افترضته فلا أجد أي مكيفات ..لا أجد إلا بعض قطع الملابس البيضاء الساكنة على أحبالها ..فأتعجب من قلة الغسالات الاوتوماتيكية بهذا الشارع والتي تتولى مهمة التجفيف ..أصبح سقوط النقاط شديد السرعة والتكرار .. رفعت رأسي للأعلى مدققاً لأرى ما لم أره من قبل .. أنهار رفيعة من المياه تتخذ مساراتها علي أوجه جميع البنايات والنقاط التي تصيبني كانت تلك المنهمرة من السطح السفلي للشرفات .. تطول وقفتي تحت كل عمارة لأتحرك عدة خطوات وأكرر الوقفة المندهشة أمام التي تليها لأجد المنظر ذاته.. هو يوم بكاء العمارات إذن ..أضحك للخاطر ولعقلي المكدود الذي يجد-دائماً – وقتاً وطاقة للمزاح .. لم تتوقف بعد ذلك قطارات اندهاشاتي المتتالية عن دهس أي افتراض واقعي .. فالشوارع الأسفلتية تُخرج مياهاً من بواطنها ..زجاج السيارات الأمامي تسيل علي أسطحه شلالات المياه والمساحات لا تتوقف عن إزالته..ليتجدد .. والحوانيت تصنع المياه المُتسربة منها بركاً دائرية أمامها .. الدموع تحاوطني من كل جانب .. من يميني من يساري .. من فوقي ومن تحتي .. مما يجعلها تكاد تنفجر من داخلي .. تخنقني ..


وفجأة .. لا أعلم من أين خرج لكنه استوقفني سائلاً عن "الساعة " .. نظرت إليه .. رجل قصير القامة ..قصير الشعر أشيبه ..شديد النحول وكأنه تمثال صُنع هيكله من المعدن ولم يُكسى ب"الجبس" بعد ..كانت أسنانه هي راية الابتسام الوحيدة في ذلك اليوم .. لم أستطع تحويل نظري عن عينيه حيث كان يملك زوجاً من العيون الزرقاء مخيفة الرؤية .. زرقتها من النوع غير المتكرر .. تحمل مزيجاً رائقاً متجانساً من درجات الأزرق حتى أنك تظنها صفحة محيط أو فص لازوردي نفيس الحجر يستقر بخاتم مليوني الثمن يلتف حول خنصر عاهرة امتلكت نصف العالم لمجرد حصولها علي قشرة جلدية خارجية جميلة لم تبذل قطرة عرق في صنعها .. هو لا ينظر إليّ ..بل ينظر نحوي ..ابتعدت عنه قليلاً فلم تتحول نظرته .. فلم أعجب أن تكون تلك الأعين كونية الجمال لا تري .. فهمت الآن سر ابتسامته ..أخبرته عن "الساعة" ..فتحرك ..إما أنه يعرف طريقه جيداً أو أنه سائر بلا وجهة مثلي .. اختفي في الظلام ..


بدأت أشعر بشحنة من الوهن تغزوني وفي طريق العودة كانت خطواتي شديدة البطء ..الصداع يقيد رأسي بأصفاد من فولاذ .. أرجلي لا تقوى علي حملي وظهري سرطاني الألم .. لم يؤلمني منذ فترة طويلة ولم أحمل شيئاً ثقيلاً .. ولكن روحي المُرهقة-كما لم تكن من قبل- ردت عليّ في سرعة .." ألا تريد لظهرك أن يتألم ..!! .. يكفيه قلبك بصدرك كحمل يحمله ..ليأن " ...
قاربت علي الوصول للمنزل ونويت النزول مرة ثانية تحت "الدش" لأهدأ من روع نفسي قليلاً وأسهل دخولها في مراحل أولية لنوم عميق وطويل .. ولكن هذه المرة كانت شلالات المياه أقوى وأعنف ..بالرغم من أني ..لم أفتح الصنبور ....!!

الأحد، ٣١ أغسطس ٢٠٠٨

مهما حصل


مهما حصل
ولو الطوفان وصل
متقدريش ف يوم تنسيني..


ولو قالولي إن فيضان الهلاك
طالع من الأقدام للجباه..
صورتي ف خيالك
صوتي ف ودانك
والقوة من قلبي لقلبك
همّا أطواق النجاة..


ولو قالولِك خلاص .. دا فات
والحي أبقى م اللي مات
أو حتى قالوا خلاص دا باع
وسابك لوحدِك للضياع
إوعي تصدقي.. إلا اليقين
الغرقان بدموع حنين..
مهما البعاد طال أو فصل
بينى وبينك خطوتين
والدنيا عليها لينا دين
و أحلفلك بدل الميت يمين
يحلف لساني بسحر عين
إن العيون والقلب همّا اللي اختاروكِ
و إوعي ف يوم تنسيني
أحسن يطردوكِ
من جنتي..
و ساعتها تلقي الشمس حامية
بعد ما وقعت شجرة وارفة
أغصانها حضني ولهفتي..


ولو جابولك يوم جثتي
متصدقيش..
هتلاقيني
دايماً وقت ما تعوزيني ..
ولو قدرتي تعِدي كل النجوم
أو تعَدي البحر
من غير ما تبلي الهدوم ..
مستحيل تنسي ف يوم
اللي قالك:
مهما حصل
ولو الطوفان وصل


مقدرش أنساكِ أبداً ..


مهما حصل ..

السبت، ٢ أغسطس ٢٠٠٨

ما فعله "بوب مارلي "بوسط البلد..!!


إبداع "بوب مارلي" والغروب يتحرشا بي كي أكتب .. لا لأكتب ككاتب ولكن كعازف حالم مغمض الأعين منفرد بمسرحه.. الإضاءة خفيفة الزرقة والجماهير الحاشدة لا تصدر عنها أدنى همسة .."بوب مارلي" ذلك الساحر ..ذلك النبي الصغير يملؤني بالطاقة الإيجابية والتي تنعكس مني علي من وما حولي ،يجعلني أنظر بحنان بالغ إلي المروحة "البوكس" الصغيرة الواقفة علي الكرسي الخشبي في حجرتي التي بدأ الظلام في إخفاء تفاصيلها تدريجياً من الداخل للخارج تجاه النافذة ، أحاول إدارة وجهي عن المروحة فأفشل .. أنغمس في تأملها حتي تتحول تدريجياً إلي طفل صغير شديد الجمال والبراءة والذكاء يحمل بعض ملامحي والكثير من ملامح حبيبتي التي أدعو الله أن يحفظها ويمنحها السعادة والتي أرسل إليها قبلة هادئة وأتتبع مسارها تخترق الشوارع حتي تصل إليها فتشعرها براحة مفاجئة-ولكنها قصيرة المدى- غير مفهومة المصدر بموقع وجودها الحالي في "وسط البلد "..!!
"وسط البلد" ..أعزف تلك المقطوعة على أوتار الذكريات .. فتكون من أجمل ما عزفت حيث تسقط دمعات بعض المستمعات من فرط التأثر .. "وسط البلد"..عرفت أجمل من عرفت وأفضل من عرفت بها.. كما عرفت أحقر من عرفت وأدنأ من عرفت بها .. وعلي مقاهيها وبين شوارعها مررت بلحظات مكثفة استطالت في أماكنها فحُمِلَت بمساحات هائلة من مشاعر ممتزجة بأحداث مربكة غيرت مسارات حياتي وتوغلت في عمق الزمن فاستحالت عمرا بأكمله .. أنسجم بتلك المقطوعة وأعزفها علي نحو لم يسبق لي أن عزفتها به .. وبمجرد انتهائي تندلع طلقات التصفيق من فوهات رشاشات أكف الجمهور .. أقف مبتسماً ..أبحث بعيني بينهم .. حتي وجدت من ستعادل سعادتي لسعادتها بنجاحي كل معني جميل خُلق بهذه الدنيا أو لم يخُلَق..!! .. وجدتها تصفق بحرارة شديدة وابتسامتها المتوترة مع وقفتها المفاجئة ترميان إلي فرط الشعور الذي عجزت الانفعالات المتوقعة عن احتواءه .. ومع هدير التصفيق في أذني نزلت دمعاتي مع دمعاتها التي سالت علي وجهها ثم علي فستانها الأسود البديع ذلك الذي ابتاعته من "وسط البلد" بعد أن شربت عصير "الأناناس" الذي تحبه مع شقيقتها و التي لا يكفي اسمها الجميل إلا لحمل أقل القليل من صفاتها الرائعة .. وقبل أن تأكلا بذلك المطعم الذي تحفظ أركانه شقشقات فجر حبنا الأولى ..

الخميس، ٢٦ يونيو ٢٠٠٨

لحظات الألم والندم والسعادة..ليست مجرد لحظات.


عمر الكون بأكمله عبارة عن مجموعة من اللحظات المتراصة .. لا لحظة تشبه الأخرى حتى في أكثرها مللاً ..

أجلس في شرفة المنزل مع سيجارة صباحية حالماً بفنجان من القهوة ولكني أتكاسل عن القيام لصنعه .. أرتدي ثوب الفيلسوف وأمارس هوايتي المستديمة في التأمل .. أحاول استخلاص بعض اللحظات من محيط لحظات عمري متلاطم الأمواج فتهاجمني لحظات الألم والندم والسعادة ببريق مميز .. ألم أمي النائمة بالداخل لا تستطيع حراكاً عندما كنت
أحمل الكرسي المتحرك الذي يحملها صاعداً بها ..بينما يساعدني أخي وحارس العقار الذي نقطنه من الجهة الأخري .. أتذكر صوتها الواهن الذي يخرج بصعوبة من بين ستائر دمعاتها الساخنة " متشيلش انت يا حبيبي عشان ضهرك ميتعبكش .. انت بقالك يومين واقف ف المستشفي "..أتجاهل ندائها وأستمر في حملها وأبعث لها نظرة حانية محاولاً تخفيف خوفها عليّ وأؤكد لها أني لن أتركها وسأظل بجانبها .. ليست المسألة أمومة وبنوة ولكن كيف يمكنني ألا أفرش جسدي بساطاً تحت أقدام من يفكر في تعبي بينما الألم الفتّاك الذي فشل المورفين في تهدئته يضرب دواخله .. بمنتهي العنف ..!!


الجبال المميزة للبحر الأحمر تطل من قريب وتدرج لوني خلاّب يعلوها متدرجاً لتدهن الزرقة الصافية سقف المشهد .. حفيف أجنحة الغربان وصوتها المميز خلفية موسيقية حالمة تعيدني للحظة ندم هذه المرة .. صرح شامخ يقف مطلاً
علي نيل القاهرة تُزين بوابته الأمامية أعلام كثيرة لدول مختلفة ..يحمل علي صدره كلمتي "وزارة الخارجية " .. يفصل المبنى عن النهر طريق للسيارات ورصيف تحتله مقاعد خشبية يشغلها في تلك الساعة المبكرة إما بعض العجائز أو الأجانب المستريحين قليلاً لاستئناف رياضتهم الصباحية .. ركضاً .. إلا مقعد واحد .. الذي يعطي ظهره للوزارة مباشرة .. أشغله أنا وحبيبتي .. كان الحديث شيقاً فعلا .. خرج من دائرة الثرثرة واستقر في قلب البوح .. أطرقت قليلاً .. ثم نطقت بمنتهى البساطة ما زلزل كياني وأنعش روحي وداعبها .. " كان نفسي تبقى أول واحد ف حياتي .. بجد.. ياريتني ماعرفتش حد قبلك " .. أه يا رفيقة دربي لو تعلمين كم أعتز بتلك الشهادة .. اقتربت منها قليلاً بنشوة جارفة أصابتني في تلك اللحظة البديعة " انت اتجننت ؟؟..انت مش عارف احنا فين ؟؟"
عذراً وزارة الخارجية .. يجب أن أختم الشهادة ..


ومن علي وجنتها الطفولية الصافية.. خطفت قبلة ..


بدأت آشعة الشمس ترخي سدولها علي سفوح الجبال فتُظهر تضاريسها بوضوح .. بدأت في رشف القهوة مع مراقبة الشمس وهي تغزو بأصفرها بقعة فبقعة من المنازل و المباني والطرق والأرصفة .. أفكر في مساء الأمس وكيف كانت حالتي النفسية شديدة السوء .. ولأني أعلم قوة الضغوط التي تعرضت لها مؤخراً وكيف يمكنها أن تبطش باتزاني الذي أحاول جاهداً الحفاظ عليه-ليس من أجلي- فقررت البحث عن سعادة حقيقية تخرجني من تلك الحالة وبأقصي سرعة
ممكنة .. لن تجدي المُسكنات .. لابد من علاج شديد الفعالية .. بحثت ونقبّت لكني لم أجد إلا سعادة حقيقية واحدة .. أن تكون حبيبتي بين ذراعيّ .. استرجعت كل الأحاسيس التي من الممكن أن تزحزح حالتي المزاجية خطوة نحو الأفضل فلم أجد إلا ذلك الشعور ,.أغمضت عيني وسافرت لملكتي النائمة في مخدعها .. وبهدوء شديد-لألا أوقظها – مدّدت جسدي بجوارها .. وبهدوء أشد احتويتها بين ذراعيّ .. شعرت بحرارة جسدها تجذبني تجاهها .. سكتت أذناها عن سماع ما كان يدور بحلمها .. ابتسمت عيناها ونظرت شفتاها تجاهي .. تشبثت بي واختبأت بصدري في حنان هاديء..
سمعت آذان الفجر ..تيقنت من تحسُن حالتي ..اتجهت إلي الله .. حمدته وشكرته عليها ..دعوت كثيراً لها ولنا .. ودخلت إلي الشرفة أتأمل في بديع صنعه وأحاول أن أكتب أن..


لحظات الألم والندم والسعادة.. ليست مجرد لحظات ....

الثلاثاء، ٢٠ مايو ٢٠٠٨

زمن



ذهاب:



لكل منّا صومعته .. ولكن صومعتي فقدت الكثير من قداستها بعدما قلّت قراءاتي وكتاباتي بشكل واضح .. ولكني لازلت نادراً ما أبرحها .. جالساً في أحد أركانها كنت .. أزيل طبقات التراب التي اتخذت لذواتها مساكناً مؤقتة علي أسطح الكتب المُكومة .. وبينما أنا مقرفصاً وحاجباي ملتحمان بقوة لأنهما لا يجدا لمسة حانية تفرقهما إذ أحسست بتلك اللسعة الساخنة في سمّانة ساقي اليُسرى .. استدرت متألماً .. وقبل أن أحدد –وبدقة- ملامح وألوان ذلك الثعبان الذي فعل فعلته اندمجت في دوامة غريبة من اختلاط الأحلام بالهلاوس بالواقع .. ويبدو أني كنت متوقفاً –وبحذر- علي بوابة من بوابات الموت السبعة.



تحليق:


أطير فوق صفحة زرقاء لمحيط.. نعم .. أنا أطير .. بلا أجنحة .. يالها من متعة .. جسدي كما هو .. كل ما هنالك أني كنت مُحلقاً فوق الجميع .. أُشغل جميع ماكيناتي بعقلي .. بمجرد التمني .. فكرت في الانعطاف يميناً .. فحدث .. أن أهبط قليلاً .. فهبطت .. واخترت بعض البلدان التي كنت أحلم بزيارتها .. فنزلت إليها .. لاحظت أن أحداً لا يراني .. أفعل ما أشاء دون أن يلحظ أحد .. أشاهد وأراقب وأستمع .. أسرق ما أشاء من الطعام والشراب والكنوز .. أدخل المنازل وأجلس أمام الأزواج المتضاجعين أتلذذ بمشاهدتهم ولا يراني أحد .. وبينما أنا طائر من بلدة لأخرى ..أصابني ملل شديد .. سأم .. وحدة قاتلة .. يأس من كل شيء .. اختناق كاد يُفقدني توازني ويودي بحياتي .. استعدت توازني .. وهبطت علي قمة جبل .. لم يطل بي التفكير حتي أوقن .. أنني حتي لو استطعت الطيران .. فلن أسعد .. مادمت وحيداً ..!!


عجز:


روحي محشورة في جسد طفل رضيع .. حركتي محدودة .. أعضائي صغيرة .. لم أتعلم الكلام أو المشي بعد .. أجلس علي فراش واسع وثير وأمامي إمرأة تعطيني ظهرها وتجلس أمام مرآه تنظر إليها بلا انقطاع .. جسدها يحجب عني وجهها الظاهر –بالطبع-في المرآة .. فلا أرى إلا شعرها الناعم الطويل ويديها اللتين تنتقلان من تصفيفه إلي اللهو المُتقن بأدوات الزينة .. أريد أن أقوم .. أن أجري .. أن أنام .. أن أعود لحياتي .. فلا تتحرك إلا عيناي الواسعتان .. اشتقت كثيراً لحبيبتي كل خلية بجسدي تناديها .. أشتاق للمسها .. للإحساس بأنفاسها الساخنة تلفح وجهي .. كيف سأقابلها بهذا الجسد الصغير ..؟؟ أريد أن أخرج حالاً .. فأبكي .. لا أعرف سلاحاً غير البكاء .. فأبكي و أبكي و أبكي .. المرأة أمامي لا تنتبه إليّ وكأنها صمّاء .. يتعاقب الليل والنهار وتمر الأيام ..و أنا أبكي .. يغلبني النعاس أحياناً ..فأغفو .. لأصحو ودمعاتي الساخنة قد جفّت علي وجنتيّ الورديتين اللدنتين .. فأعاود البكاء .. صدري يؤلمني من قسوة النشيج ورأسي تكاد تنفجر من الصداع .. وفجأة .. تستدير المرأة لتنظر إليّ .. وللمرة الأولي أري وجهها .. فأتوقف عن البكاء تدريجياً بقليل من "النهنهة" حتي أتوقف نهائياً .. تتسع ابتسامتي البريئة حتي تصل لكل شخص في مكانه –حتي النائمين- فيبتسم العالم بأسره .. تعاود المرأة استدارتها لتواصل ما كانت تفعله .. فأعاود البكاء..



مرور:



جسدي هذه المرة مفتول العضلات بشكل رائع .. أقف بدائرة شديدة الاتساع .. مُثبت بمركزها عمود رأسي قصير .. مُثبت به وتدور حوله ثلاثة أذرع سميكة وطويلة وعظيمة محفور علي كل منها حرف من حروف كلمة "زمن" .. يُشكل هذا البناء البسيط الساعة الكونية الأم والتي تتبعها جميع الساعات مع اختلاف المواقيت .. كل ما أقوم به هنا أنني أحاول دفع عقرب الثواني حتي يجري بشكل أسرع بعدما فشلت فشلاً ذريعاً مع عقربي الساعات والدقائق .. أملي الوحيد ينعقد علي هذا الذراع الرفيع الذي يسير بسرعة أكبر من رفيقيه .. حاولت معه بشتي الطرق .. حتي أنني قمت بالجري فسبقته ووقفت أمامه أحاول إغاظته ولكنه لم يتوانى عن السير بنفس انتظامه .. استنفرت كل قواي وأخذت أدفعه من الخلف .. تشنجت عروقي وبدأت عضلاتي في التقلص والتيبس وهو يأبى إلا أن يسير بهذا البطء القاتل .. تفصد العرق من جميع مسامي وضغطت علي أسناني حتي كادت تتقلَع من أماكنها .. وإذا بعقرب الثواني يسير مُسرعاً للأمام ثم يعود ليصدمني بقوة ليقذفني بعيداً .. أغيب عن الوعي من أثر الصدمة حتي أفيق فأجد ذاتي غارقاً في تيه من ظلام مقيم لزمن متوقف .. أبحث عن حائط لأصدم به رأسي من شدة الحنق والحسرة .. فلا أجد .. لا حائط ولا أرض .. مُعلق في الظلام .. ألتهم أصابعي ندماً وأتمني العودة لزمن يجري .. حتي لو كان يجري بسرعة أكثر بطئاً من ذلك الذي لم يكن يرضيني ..



عودة:



أفيق في صومعتي .. لأجد الثعبان قد نبت له جسداً بشرياً ولكنه احتفظ برأسه ..
أحضّر الكئوس .. نقرع الأقداح.. ونتجرع نخباً مشتركاً من الذكريات المُرة ..